في أديرة الزِّن في اليابان، الرجل الذي يتولّى المطبخ ليس خادماً ولا مجرد تقنيّ: إنه أحد أرفع وجهاء الجماعة. رحلةٌ في تقليدٍ مجهولٍ في أوروبا، حيث تقشير خضارٍ يعدل تأمّلاً، وحيث لدى تدبير الشؤون الحديث الكثير ليتعلّمه.
نحن في عام 1223، على مرفأ نينغبو، في الصين. راهبٌ يابانيٌّ شاب، نزل لتوّه، يراقب رجلاً عجوزاً جاء ليشتري فطراً لديره. الحرّ خانقٌ؛ والرجل تجاوز الستين. يستغرب الراهب الشاب: لماذا ينحدر رجل دينٍ بهذه المرتبة إلى مثل هذه الأعمال الشاقّة، بدل أن يوكلها إلى مبتدئ؟ ولماذا لا ينتظر برودة المساء؟ يبتسم الطبّاخ العجوز: «الآخر ليس أنا. وإن لم يكن الآن، فمتى إذن؟» كان اسم الراهب الشاب دوغِن. ولدى عودته إلى اليابان، سيؤسّس مدرسة سوتو، إحدى كبريات تقاليد بوذية الزِّن، ولن ينسى أبداً هذا الدرس الذي تلقّاه قرب سلة فطر.

”)
لفهم المشهد، لا بدّ أولاً من نصب الديكور. في دير الزِّن، تنظّم الحياةَ حفنةٌ من المسؤولين يتقاسمون مسؤولية الجماعة. عددهم ستة. أحدهم يسهر على الطقوس، وآخر على الانضباط، وآخر على المباني. ثم هناك الـتنزو: الطبّاخ الرئيس، من يُطعم مجموع الرهبان. وبعيداً عن أن تكون مهمةً وضيعة، كما هي حال عمل المطبخ في كثيرٍ من المؤسسات، فإن هذا التكليف من أكثر مهام الدير شرفاً وتطلّباً. والعبارة المتوارثة تقول كل شيء: التنزو «تلميذ بوذا الذي يؤدّي عمل بوذا». والطبخ، هنا، ليس أدنى من التأمّل. إنه الشيء نفسه.
هذه القناعة دوّنها دوغِن كتابةً عام 1237 في نصٍّ بقي شهيراً، الـTenzo Kyōkun، حرفياً «تعليمات للطبّاخ». والوثيقة تُدهش بطبيعتها المزدوجة. فهي أولاً دليلٌ يكاد يبلغ دقّةً عسكرية: على التنزو أن ينهض قبل منتصف الليل، وأن ينقع الأرزّ، ويُعدّ الحساء، ويعدّ الرهبان، ويحسب

الكميات، وأن يشرف بنفسه على كل مرحلة. وعليه ألّا يوكل أبداً، كسلاً، ما يمكنه أن يصنعه بيديه. قبل كل وجبة، يقصد قاعة التأمّل، ويسجد، ويقدّم البخور. قبل ثمانية قرون من كبرى فرق الطهو الأوروبية، كان راهبٌ قد أرسى مبادئ كل تدبير شؤونٍ جادّ: الاستباق، والصرامة، والحضور في كل لحظة.
لكن النصّ رسالةٌ فلسفية أيضاً. فبالنسبة إلى دوغِن، لا وجود لمكوّنٍ حقير. حبّة الأرزّ تستحق العناية نفسها التي يستحقها أندر الأطباق. «رفعُ عودٍ واحدٍ من العشب يبني معبداً»، يكتب؛ «والدخول في ذرّة غبارٍ واحدة يُدير عجلة الشريعة الكبرى.» لا شيء يُهدر، ولا شيء يُعامَل باستخفاف. ونُدرك كم أن هذا التطلّب، المولود في القرن الثالث عشر، يلتقي مع أكثر هواجسنا معاصرة: احترام المنتج، والتوقيت الموسمي، ورفض الهدر. فالحركة التي نسمّيها اليوم «الطبخ المسؤول» تملك، دون أن تدري، سلفاً رهبانياً بعيداً.
والتنزو ليس، في الواقع، استثناءً معزولاً. فحيثما لامس المطبخ المقدّس، كفّ من يتولّاه عن أن يكون مجرد منفّذ. فقاعدة القديس بندكت، التي تحكم أديرة الغرب منذ القرن السادس، تقضي بأن يخدم جميع الإخوة في المطبخ بالتناوب، دون أن يعدّ أحدٌ نفسه مُعفىً من ذلك. في كوريا، مطبخ المعابد البوذية، الـsachal eumsik، مُصنَّفٌ اليوم تراثاً ثقافياً وطنياً. وفي كبرى معابد الهند، يُعدّ طبّاخون من سلالاتٍ متوارثة كل يومٍ الطعام المُقدَّم للإله قبل أن يتقاسموه مع المؤمنين. فكرةٌ واحدة تخترق هذه العوالم: إطعام جماعةٍ تكليفُ شرف، لا سُخرة.
هنا يكشف تقليد الزِّن تمام تفرّده، بالتباين. لنتأمّل الوجه الآخر للمشهد: في بعض مطابخ السلطة المعاصرة، يُحلَّل كل طعامٍ في مختبر، وتُحظر المنتجات التي يُحكم بأنها «خطرة»، ويراقب رجال الأمن التحضير. طبّاخان، الوظيفة نفسها، إطعام إنسان، ومع ذلك رؤيتان للعالم متعارضتان جذرياً. من جهة، الارتياب المطلق ممّا نُدخله إلى الفم؛ ومن جهةٍ أخرى، ثقة التنزو التامة، الذي لا يرى في العالم أي تهديد، والذي يستحق عنده كل فعل، لأنه اعتيادي على وجه الدقة، انتباهاً كاملاً.
ولعلّ هذا هو الدرس الذي كان طبّاخ نينغبو العجوز يوجّهه، دون أن يدري، إلى حضارةٍ بأكملها. لا مهمّةَ حقيرة، ولا لحظةَ تافهة. تنسيق مائدة، واختيار منتج، وتقديم وجبة: هذه أفعالٌ، إن أُنجزت بحضورٍ كامل، تتجاوز بكثير بساطتها الظاهرة. وللمدبّر اليوم كما للراهب بالأمس، يذكّر التنزو بأن التميّز لا يكمن في بهاء الأطباق، بل في نوعية الانتباه. وبأنه إن لم يكن الآن، فمتى إذن؟



